الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

416

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)

ومنها : أنّهم تابعون ليحيى بن زكريّا ، ولهم كتاب يدعون أنّه نزل به جبرئيل على يحيى ، يسكنون على شاطئ الأنهار الكبيرة ، ولهم تعلّق خاصّ عقائدي بهذه الأنهار ، ولذلك جماعة منهم يسكنون في جنوب إيران في الأهواز وعبّادان وخرمشهر وشادگان على شاطئ كارون وأروند رود ، ويغلب على عقائدهم القول الأخير . ومنها : ما قد يقال من أنّهم فرق مختلفة ؛ بعضهم مؤمنون بشريعة موسى أو شريعة عيسى ، وبعضهم يعبدون الكواكب ، أو الملائكة « 1 » ، إلى غير ذلك . والسرّ في اختلاف الأقوال فيهم ، أنّهم يسرّون عقائدهم ويخفونها عن غيرهم ، ولا يعتقدون بنشر مذهبهم وتبليغه إلى غيرهم ، كما أنّهم يخفون كتبهم عن غيرهم . هذا . ولم يرد في حكمهم شيء في الروايات ، ولكن يظهر من الآيات القرآنية أنّهم كانوا من أهل الكتاب ، فقد وردت فيهم ثلاث آيات في الذكر الحكيم : الأولى : قوله تعالى : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ « 2 » . الثانية : قوله تعالى : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ « 3 » وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحَاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ « 4 » . وقد ذكر المفسّرون تفاسير كثيرة لهاتين الآيتين ، ولكنّ الإنصاف أنّ تفسيرهما ظاهر ؛ وهو أنّ كلّ واحد من هذه الطوائف الأربع إذا كان مؤمناً حقيقة وعمل أعمالًا

--> ( 1 ) . راجع : جواهر الكلام 30 : 45 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 62 . ( 3 ) . ( الصَّابِئُونَ ) هنا مرفوع ، مع أنّ مقتضى القاعدة أن يكون منصوباً ، كالآية السابقة . وقد اجيب‌بوجوه ، أحسنها أن يكون معطوفاً على المحلّ ؛ فإنّ محلّ اسم « إنّ » في الواقع مرفوع ، أو يكون مبتدءاً خبره محذوف ، والمعنى : والصابئون والنصارى كذلك . ( 4 ) . المائدة ( 5 ) : 69 .